الرضاعة

متلازمة جوبيرت: مرض جيني نادر يهدد الكثير من الرضع

النمو العقلي والجسدي الطبيعي للطفل يمثل الشغل الشاغل للأم في السنوات الأولى من عمره، وأي قصور فيه يسبب لها القلق، مما يجعلها تبحث عن الأسباب وراءه، من أجل الاطمئنان إلى عدم وجود أي أسباب مرضية أو خلل يحتاج إلى علاج أو تدخل طبي، وتعد متلازمة جوبيرت أو Joubert syndrome أحد الاضطرابات الشائعة التي تصيب نسبة غير قليلة من الأطفال الرضع، وهي خلل جيني يهاجم خلايا الدماغ عند الرضع في سن مبكرة للغاية؛ أما عن أسبابها وأعراضها وطرق علاجها فنتطرق لها بالتفصيل في السطور القادمة.

متلازمة جوبيرت

جوبيرت سندروم تعني علميًا القصور في نمو بعض خلايا المخ لدى الطفل، أو تلف بعض هذه الخلايا المسؤولة عن نمو القدرات العقلية والذهنية، فقد يتعرض الطفل لقصور في نمو أجزاء من المخ منذ البداية بسبب طفرة جينية تتسبب في إحداث خلل في أكثر من 35 جين مسؤول عن اكتمال أجزاء محددة من المخ، أو قد تنمو هذه الأجزاء في البداية ثم تتأثر فيما بعد بعوامل وراثية او جينية معينة تتسبب في تلفها.

يسمى الجزء الموجود في الدماغ المسؤول عن حدوث متلازمة جوبيرت باسم جسر المخيخ أو الدودة المخيخية، هذه المنطقة مسؤولة عن التنسيق وتوازن الرؤية والحركة والإدراك لدى الإنسان، والمسؤول الأول عن تلفها هو العوامل الوراثية، وأي خلل بها يؤثر على القدرات العقلية للطفل، بالإضافة إلى القدرات البصرية، فيصبح غير قادر على الرؤية تدريجيًا.

ويتم تشخيص جوبيرت سندروم من خلال الأشعة المقطعية أو أشعة الرنين المغناطيسي للكشف عن علامة الضرس المميزة لهذه المتلازمة، حيث تظهر التشوهات في هذه المنطقة في الأشعة على شكل الضرس، وبوجه عام يحتاج كل طفل إلى فحص وتشخيص مختلف عن الآخر حتى بين أفراد الأسرة الواحدة؛ لاختلاف أعراض هذا الاضطراب وتنوعها.

أسباب متلازمة جوبيرت

ما زال السبب الرئيسي وراء حدوث هذا النوع من الاضطرابات الجينية غير معروف حتى الآن، ولكن بحسب الدراسات الجينية الحديثة فالخلل يحدث في أكثر من 30 جين نتيجة توارث هذه الجينات من أحد الوالدين أو كلاهما، مما يجعل بروتينات هذه الجينات تهاجم الجزئيات الأساسية لبناء خلايا الدماغ، مما يؤدي إلى تشوهها.

فالتفسير العلمي لحدوث متلازمة جوبيرت ينطوي على مهاجمة تلك البروتينات لأهداب الخلايا المسؤولة عن عمل تلك الخلايا فيما يتعلق بإرسال وتلقي الإشارات من وإلى الجهاز العصبي، وبالتالي تبدأ هذه الأهداب في التلف، مما يؤثر على النمو العصبي لخلايا دودة المخيخ، أما عن كيفية حدوث تشوهات معينة لدى الطفل فما زال قيد الدراسة حتى الآن.أسباب متلازمة جوبيرتوبالتالي يمكن القول بأن العامل الوراثي هو العامل الرئيسي المعروف حتى الآن وراء حدوث اضطراب جوبيرت، فمجرد انتقال جين واحد حامل للمرض من أحد الوالدين يعني احتمالية كبيرة لإصابة الطفل بهذا الخلل الجيني، أما في حالة إصابة كلا الوالدين تكون احتمالية انتقاله إلى الطفل 25% في كل حمل، وقد تزيد فرصة الإصابة إلى 50% في بعض الحالات، ومع هذا فإن نسبة كبيرة تتعدى الـ 10% من مرضى متلازمة جوبيرت تعزى إلى أسباب غير وراثية، ولكن ما زال البحث العلمي يفندها ليصل إلى أسباب محددة وعلمية.

أعراض جوبيرت سندروم

السؤال الأهم المطروح الآن من معظم الأمهات: ما هي أعراض هذه المتلازمة؟ أو بمعنى آخر كيف يمكن التعرف على دلالات ضمور الدودة المخيخية؟ وذلك من أجل البدء في علاجها دونما تأخير، وبوجه عام يمكن القولل أن أبرز أعراض جوبيرت سندروم هي كالتالي:

فقدان التوازن العضلي

يعرف بالتوتر العضلي، وهو عدم قدرة الطفل على إحكام السيطرة على حركته العضلية، وفقدان القدرة على التوازن العضلي، وتظهر هذه الأعراض جلية في عدم قدرة الطفل على الإمساك بالأشياء أو صعوبة التقاطها، بالإضافة إلى تشتت أو عدم تناسق حركاته، ويبدأ هذا العرض ويتطور في الشهور الأولى من عمره.

سرعة التنفس (نوبات تنفس سريعة)

يعاني الطفل المصاب بمتلازمة جوبيرت من سرعة التنفس بطريقة ملحوظة، وإن كان هذا العرض أكثر حدة في الشهور الأولى من عمر الطفل ويبدأ في الاختفاء بمرور السنة الأولى من عمره، وقد يعاني الطفل من نوبات تنفسية تتمثل إما في سرعة التنفس التي تصل لحد النهجان، أو انقطاع التنفس.

ملامح مميزة

من أبرز أعراض جوبيرت سندروم الملامح المميزة والواضحة لوجه الطفل، مثل الجبهة العريضة، تقوس الحواجب، اتساع الفم أو أن يكون على شكل مثلث، تباعد العينين، تدلي الجفون، والأذان المنخفضة.

تأخر المهارات العقلية والحركية

تلف خلايا الدماغ في متلازمة جوبيرت ينتج عنه تأخر في القدرات العقلية والذهنية للطفل، وإن كان هذا التأخر ليس سمة مميزة للإصابة بهذه المتلازمة، فنسبة كبيرة من مصابي جوبيرت سندروم لا يعانون من أي اضطرابات على مستوى القدرات أو القدرة على التعايش الطبيعي مع الأشخاص الأسوياء.تأخر المهارات العقلية والحركية

أعراض أخرى

توجد بعض الأعراض الأخرى التي قد تشير إلى الإصابة بمتلازمة جوبيرت، منها:

  • الحركة غير الطبيعية للعينين مع صعوبة تتبع العينين للأجسام المتحركة.
  • الإصابة في بعض الحالات بتشوهات الشبكية التي يمكن أن تسبب فقدان البصر.
  • زيادة في عدد أصابع اليدين أو القدمين.
  • الإصابة بالشفة الأرنبية.
  • صعوبة في الكلام والتأتأة.
  • انخفاض معدل الذكاء وصعوبات التعلم.
  • الإصابة بالخلل في بناء الكبد أو الكليتين.
  • مشكلات في هرمونات الغدد الصماء.

ولكن لابد من الإشارة إلى أن هذه الأعراض هي مجرد علامات مساعدة لمعرفة وجود خطب ما يحتاج إلى استشارة طبيب وسرعة التشخيص من أجل تحديد ما إذا كان طفلك يعاني من جوبيرت سندروم أم لا، أما عن كيف يتم تشخيصها وطرق علاج متلازمة جوبيرت بالأعشاب فهذا ما سنعرفه في السطور التالية.

أنماط الإصابة بمتلازمة جوبيرت

لا تتشابه أعراض الإصابة بمتلازمة جوبيرت بين جميع الأطفال، لذا فمن الصعب تعميم أعراضها أو طرق العلاج بين أفراد متشابهين وإن كانوا من نفس العائلة، ولابد من المتابعة المستمرة مع طبيب متخصص، فمن أبرز أنواع الإصابة بالمتلازمة ما يلي:

جوبيرت سندروم بأعراض عصبية (جوبيرت صافي)

وهي الأكثر شيوعًا بين الأطفال، حيث تظهر الأعراض المرتبطة بالضعف العضلي وصعوبة التوازن أو التناسق في الحركة، مع الحركة غير المنتظمة للعينين، بالإضافة إلى السمات الظاهرية مثل الملامح البارزة، وقد تتطور الأعراض إلى إعاقات ذهنية.

جوبيرت سندروم مع عيوب بصرية

تقترن العيوب البصرية بالمتلازمة بنسبة كبيرة تصل ما بين 10-20%، فيما يعرف باسم مرض ليبر، والتي تصل إلى إحداث ضمور في الشبكية مما قد يؤدي إلى ضعف البصر ومن ثم فقدانه بصورة كلية.

جوبيرت سندروم مع الخلل الكلوي

جوبيرت سندروم مع الخلل الكلويتختلف الأعراض الظاهرة على مصاب متلازمة جوبيرت باختلاف الجينات المعطوبة التي أدت إلى تلف خلايا دودة المخيخ، لذا في حالة تسبب الجينات (NPHP1, RPGRIP1L) في الخلل الدماغي تحدث إصابات في الكلى مسببةً ضمور في أداء وظائفها لدى الطفل.

جوبيرت سندروم مع الخلل الكبدي

يسبب الخلل في الجين المعروف بـ (TMEM57) حدوث خلل في أداء وظائف الكبد لدى الطفل المصاب بمتلازمة جوبيرت، وقد يتزامن مع الخلل الكلوي وانفصال الشبكية بالإضافة إلى الإصابة بأورام القولون في بعض الحالات النادرة.

جوبيرت سندروم مع خلل بصري وكلوي

تعاني فئة الأطفال المصابين بهذا النمط من متلازمة جوبيرت بوجود مشاكل في الشبكية تسبب ضعف بصري ومشكلات في اتزان الرؤية، مع مشكلات استسقاء الرأس، بالإضافة إلى خلل في أداء الكلى مما يضر بوظائفها، ويحدث هذا النمط نتيجة الخلل في جين (CEP290).

جوبيرت سندروم مع عيوب فموية

جين (TMEM216) هو المسبب الأول لهذا النمط، حيث يتعرض الطفل لظهور أورام نسيجية رخوة في جزء من اللسان، وقد تظهر على شكل عقد نسيجية، وتؤثر على شكل الوجه، كما يقترن بهذه الأعراض وجود عيوب خلقية في مشط اليد على شكل حرف (Y).

عوامل الخطر

تحدث متلازمة جوبيرت مع حدوث طفرات جينية للكروموسوم (x)، ومن المعروف أن الذكور يحملون جينًا واحدًا من هذا الكروموسوم، بينما تحمل الإناث اثنين منه، وبالتالي يحتاج الذكر إلى حدوث طفرة في واحد فقط من هذا الكروموسوم لحدوث المتلازمة، بينما في الإناث لابد أن تكون الطفرة في كلا الجينين من الكروموسوم (x)، وهو ما يقلل من احتمالية إصابة الإناث مقارنة بالذكور، ولكن توجد بعض العوامل التي تزيد معها فرص الإصابة بمتلازمة جوبيرت للأطفال وهي:

  • وجود صلة قرابة بين الأب والأم؛ لأن الاضطرابات الوراثية بصفة عامة تزيد احتماليتها في حالة القرابة بين الآباء والأمهات.
  • تزيد احتمالية الإصابة مع عشرة جينات تم تحديدها، وهي (JBTS1- JBTS2- AHI1- CEP290- TMEM67-JPTS7- JBTS8-JBTS9-JBTS10).
  • توجد بعض العرقيات التي تزيد معها فرص الإصابة بمتلازمة جوبيرت ومنهم: الصينيون والكنديون والفرنسيون واليهود الأشكيناز؛ نتيجة شيوع طفرات جينية بين هذه العرقيات.

مضاعفات متلازمة جوبيرت

بالطبع تأخر التشخيص وعلاج أعراض الإصابة بمتلازمة جوبيرت قد يعرض الطفل للكثير من المضاعفات التي تظهر عليه في سن متأخرة، ومنها ما يلي:مضاعفات متلازمة جوبيرت

  • تلف تام للشبكية، مما يؤدي إلى فقدان البصر.
  • الفشل الكلوي.
  • تليف الكبد والفشل الكبدي.
  • الأورام.
  • التشوهات الخلقية.

نسبة الإصابة بمتلازمة جوبيرت

أجريت الكثير من الدراسات العلمية لمعرفة نسب الإصابة بمتلازمة جوبيرت بين الأطفال، وأشارت إلى أنها تصيب طفلاً واحدًا من كل 100 ألف طفل، وذلك بحسب أعراض المتلازمة التي يتم تشخيصها، ولكن هذا لا يمنع وجود عدد كبير من الأطفال المصابين الذين لم يتم تشخيصهم نتيجة عدم الوعي بأعراضها لدى الكثير من الآباء.

تشخيص متلازمة جوبيرت

التشخيص الأولي للإصابة بمتلازمة جوبيرت يعتمد على فحص الطبيب المعالج للطفل، حيث يبدأ في تشخيص الأعراض الشائعة الجسدية والعقلية والتي سبق الإشارة إليها، وفي حالة ثبوت وجود بعضها أو كلها، ينتقل الطبيب إلى مرحلة فحص الأعراض الثابتة المتمثلة في تلف دودة المخيخ من خلال عمل أشعة الرنين المغناطيسي على دماغ الطفل، حيث يظهر  بها الخلل في الدماغ على شكل ضرس.

كما يمكن عمل فحص الحمض النووي، وهو فحص للجينات المسببة لهذه المتلازمة، وهنا تتأكد إصابة الطفل بها من عدمه، ليبدأ الطبيب في مرحلة العلاج، سواء العلاج الطبيعي أو العلاج الدوائي، أما عن إمكانية علاج متلازمة جوبيرت بالأعشاب بحسب بعض التجارب فسنتطرق له فيما يلي.

علاج جوبيرت سندروم

يعتمد علاج الطفل المصاب بمتلازمة جوبيرت على أكثر من طريقة يعتمدها الطبيب وفقًا للحالة، ومن أبرزها العلاج الطبيعي، ويعتمد فيه الطبيب بصورة أساسية على جلسات علاج طبيعي من أجل تهيئة الطفل مرة أخرى للتحكم في قدراته الحركية والعقلية والإدراكية، كما يعتمد علاج متلازمة جوبيرت علاج طبيعي على عمل الاختبارات العقلية والعلاج المهني وعلاج اضطرابات التعلم والنطق والحركة، ولكن يحتاج ذلك إلى متخصص لعمل الجلسات بطريقة صحيحة. كما يتطلب العلاج متابعة الأطفال المعرضين لنوبات ضيق التنفس أو سرعته، بالإضافة إلى المتابعة المنتظمة لإجراء الفحوصات الخاصة بالكبد والكلى والعين لتلافي حدوث مضاعفات.

علاج متلازمة جوبيرت بالأعشاب

علاج متلازمة جوبيرت بالأعشابلم تثبت أي دراسات علمية حتى الآن وجود علاقة بين استخدام الأعشاب وبين علاج جوبيرت سندروم، فجميع ما يطرح حول استخدام بعض الأمهات لوصفات الطب البديل ما هو إلا تجارب فردية ليس لها أساس علمي، كما أنها قد تؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة في حالة إصابة الطفل بأعراض خلل كلوي أو كبدي؛ ولهذا يُنصح بعدم الانسياق وراء أي دعاوى من هذا القبيل.

ختامًا.. فإن متلازمة جوبيرت هي اضطراب جيني معروف علميًا وإن كان مجهولًا لكثير من الآباء والأمهات، وينتج عن خلل في جينات الطفل المنقولة إليه من والديه، ويمكن للتشخيص المبكر للمرض أن يساعد في العلاج مبكرًا وتفادي الكثير من المضاعفات الخطيرة، وفي حال ثبوت الإصابة فلابد من المتابعة المنتظمة مع الطبيب.

المصادر:

جليفيلاند كلينيك

ميد لاين بلاس

إن آي إتش

زر الذهاب إلى الأعلى